الغزالي

206

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

إذا وضعت الموازين ووزنت الأعمال حتى ينظر ابن آدم أيخفّ ميزانه أم يثقل ؛ وعند الصّحف حتى ينظر أبيمينه يأخذ كتابه أو بشماله ؛ وعند الصراط » . وعن أنس قال : يؤتى بابن آدم يوم القيامة حتى يوقف بين كفّتي الميزان ، ويوكل به ملك ، فإن ثقل ميزانه ، نادى الملك بصوت يسمع الخلائق : سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا ، وإن خفّ ميزانه ، نادى بصوت يمسع الخلائق : شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا ، وعند خفّة كفّة الحسنات ، تقبل الزبانية وبأيديهم مقامع من حديد ، عليهم ثياب من نار ، فيأخذون نصيب النار إلى النار . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في يوم القيامة : « إنّه يوم ينادي اللّه تعالى فيه آدم عليه السلام فيقول له : قم يا آدم فابعث بعث النار ، فيقول : وكم بعث النار ؟ فيقول : من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعون » . فلمّا سمع الصحابة ذلك أبلسوا « 1 » حتى ما أوضحوا بضاحكة ، فلمّا رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما عند أصحابه ، قال : « إعلموا وأبشروا ، فوالذي نفس محمّد بيده إنّ معكم لخليقتين ما كانتا مع أحد قطّ إلّا كثّرتاه مع من هلك من بني آدم وبني إبليس » . قالوا : وما هما يا رسول اللّه ؟ قال : « يأجوج ومأجوج » قال : فسرّي عن القوم ، فقال : « اعملوا وأبشروا ، الذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس يوم القيامة إلا كالشّامة في جنب البعير ، أو كالرّقمة في ذراع الدابة » . يا أيّها الغافل عن نفسه المغرور بما هو فيه من شواغل هذه الدّنيا المشرفة على الانقضاء والزوال ، دع التفكّر فيما أنت مرتحل عنه ، واصرف الفكر إلى موردك ، فإنك أخبرت بأنّ النار مورد للجميع لقوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا « 2 » . فأنت من الورود على يقين ، ومن النجاة في شكّ ، فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد ، فعساك تستعدّ للنجاة منه ، وتأمّل في حال الخلائق ، وقد قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا ، فبينما هم في كربها وأهوالها وقوفا ينتظرون حقيقة أنبائها ، وتشفيع شفعائها ، إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب ، وأظلّت عليهم نار ذات لهب ،

--> ( 1 ) أبلسوا : سكتوا لحيرتهم وخوفهم . ( 2 ) سورة مريم ، الآيتان : 71 ، 72 .